محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )

86

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

والحرمَيْنِ منذ مئةٍ وخمسين مِن الهجرة إلى هذا التاريخِ يزيد على سِتِّ مئة سنة فيهم ألوفٌ لا ينحصِرُون ، وعوالم لا يُعَدُّون ( 1 ) من أهل العلم والفتوى والورع والتقوى ، فكيف نستقرِبُ أنهم تطابَقُوا على الاستناد إلى عامي جاهل لا يعرِفُ أن الباء تجر ما بعدَها ، ولا يدري ما يَخْرُجُ من رأسه من حديثِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ ! وأما ما قُدِحَ به على الإمام أبي حنيفة مِن عدم العِلْمِ بالعربية ، فلا شَكَّ أن هذا كلامُ متحاملٍ متنكِّب عن وجوهِ المحامل ، وقد كان الإمامُ أبو حنيفة رحمه الله مِن أهلِ اللسان القويمة ، واللغة الفَصيحة ، فقد أدركَ زمانَ العرب ، وعاصرَ جريراً ، والفَرَزْدَق ، ورأى أنسَ بن مالك خادمَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرتين ( 2 ) ، وقد تُوفِّي أنسٌ رضي الله عنه سنةَ ثلاثٍ وتسعين من الهِجرة ، والظاهر أن أبا حنيفة ما رآه في المهد ، وإنما رآه بعدَ التمييز ، يَدُلُّ عليه أن أبا حنيفة كان مِن المعمَّرِينَ ، وتأخرت وفاتُه إلى خمسين ومئة ، والظاهر أنه جاوزَ التسعين في العمر والله أعلم . ذكره أبو طالب عليه السلام في كتاب " الأمالي " ، وهذا يقتضي أنَّه بلغ الحلْمَ ، وأدرك بعدَ موتِ النبي - صلى الله عليه وسلم - بقدر الثمانين سنة ، لأنَّه عليه السلام مات وقد مضى عشر من الهجرة ، فهذا يدُلُّ على تقدم أبي حنيفة ، وإدراكه زمانَ العرب ، وهو أقدمُ الأئمة وأكبرهُم سنّاً ، فهذا مالك على تقدُّمه توفي بعدَه بنحو ثلاثين سنة . ولا شكَّ أن تغير اللسانِ في ذلك الزمانِ كان يسيراً ، وأنه لم يشتغِلْ ذلك الزمانَ بعلم الأدبِ أحدٌ من

--> ( 1 ) في ( ج ) : " لا يعتدون " . ( 2 ) قال الذهبي في " السير " 6 / 391 : ولد سنة ثمانين في حياة صغار الصحابة ، ورأى أنس بن مالك لما قدم عليهم الكوفة ، ولم يثبت له حرف عن أحد منهم . وقال في آخر الترجمة : توفي شهيداً مسقياً في سنة خمسين ومئة ، وله سبعون سنة . وقول أبي طالب - الذي نقله عنه ابن الوزير - : والظاهر أنَّه جاوز التسعين في العمر - غير ظاهر .